القرطبي
285
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الكوفة ، واستخلف على المدينة عبيد اللّه بن عبد مدان الحارثي ، فأتى بسر فقتله وقتل ابنه ولقي ثقل عبيد اللّه بن العباس ، وفيه ابنان صغيران لعبيد اللّه بن عباس ، فقتلهما ورجع إلى الشام . وذكر أبو عمرو الشيباني قال : لما وجه معاوية بسر بن أرطاة لقتل شيعة علي رضي اللّه عنه سار إلى أن أتى المدينة ، فقتل ابني عبيد اللّه بن العباس ، وفر أهل المدينة حتى دخلوا الحرة حرّة بني سليم ، وهذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بسر على همدان فقتل وسبى نساءهم فكن أول نساء سبين في الإسلام ، وقتل أحياء من بني سعد . وقد اختلفوا كما ترى في أي موضع قتل الصغيرين من أهل البيت ، هل في المدينة أو في مكة أو في اليمن ، لأنه دخل هذه البلاد وأكثر فيها الفساد ، وأظهر لعلي رضي اللّه عنه العناد ، وأفرط في بغضه وزاد ، وسلّط على أهل البيت الكريم الأجناد ، فقتل وسبى وأباد ، ولم يبق إلا أن يخدّ الأخاديد ويقد الأوتاد ، وكان معاوية قد بعثه في سنة أربعين إلى اليمن ، وعليها عبيد اللّه بن العباس أخو عبد اللّه بن العباس ، ففر عبيد اللّه وأقام بسر باليمن ، وباع دينه ببخس من الثمن فأخاف السبيل ، ورعى المرعى الوبيل ، وباع المسلمات ، وهتك الحرمات ، فبعث علي رضي اللّه عنه في طلبه حارثة بن قدامة السعدي فهرب بسر إلى الشام ، وقد ألبس بذميم أفعاله ثياب العار والذمام ، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام يوم يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ . ورجع الشريف أبو عبد اللّه محمد إلى بلاد اليمن ، فلم يزل واليا عليهم حتى قتل علي رضي اللّه عنه . ويقال : إن بسر بن أرطاة لم يسمع من النبي صلى اللّه عليه وسلم حرفا لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبض وهو صغير فلا تصح له صحبة ، قاله الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما ، وقال آخرون : خرف في آخر عمره قال يحيى بن معين : وكان رجل سوء ، قال المؤلف رحمه اللّه : كذا ذكره الحافظ أبو الخطاب بن دحية رحمه اللّه . وقد ذكر أبو داود ، عن جنادة ، عن ابن أبي أمية قال : كنا مع بسر بن أرطاة في البحر ، فأتي بسارق يقال له منصور وقد سرق بختية ، فقال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا تقطع الأيدي في الغزو » ، ولولا ذلك لقطعته « 1 » . قال أبو محمد عبد الحق : بسر هذا يقال : ولد في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه ، وهو الذي ذبح طفلين لعبيد اللّه بن
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 4408 ) ، وصححه الألباني .